الخميس، 30 يناير 2014

أول كتاب عربي حول الريادة الاجتماعية


بقلم: د. مجدى سعيد

موقع مصر العربية

الريادة الاجتماعية هي أحد جناحي إحياء المجتمعات وتنميتها ونهضتها، هذه الريادة وإن كانت حاضرة في حياة الشعوب منذ الأزل، طالما كانت هناك مجتمعات لها احتياجات وتواجه مشكلات، وكان هناك بين أبنائها من يحمل روح المبادرة والإيجابية ويحمل عقلا مبدعا يساهم به في نفع ومصلحةالآخرين. إلا أن الريادة الاجتماعية social entrepreneurship صارت فنا وعلما تفرد له الكتابات وتقعد له القواعد، وعلى الرغم من تسرب المفهوم فيما بين الناشطين في مصر والعالم العربي وحصول بعضهم على زمالات ومنح لريادتهم الاجتماعية، إلا أنها المرة الأولى التي يصدر فيها كتاب يقدم باللغة العربية مادة تجمع بين الغزارة في المعلومات والسلاسة في التناول، وهو الكتاب الذي أصدرته "مؤسسة اقرأ" مؤخرا للأستاذة أمل خيري الباحثة المتميزة في مجال التنمية.


يقدم الكتاب الذي يحمل عنوان "تجارب في الريادة المجتمعية" وجبة دسمة من المعرفة تبدأ بتقديم التعريفات المختلفة لمفهوم الريادة الاجتماعية وتاريخه وأهم وأبرز الرواد الاجتماعيين قبل وبعد انتشار المفهوم، والذي اكتسب شهرته على بيل درايتون وتشارلز ليدبيتر مؤسسي شبكة أشوكا للريادة الاجتماعية – أحد أهم الشبكات العالمية المعنية بدعم وتشجيع الرواد الاجتماعيين في العالم - وذلك في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كما يتناول الكتاب السمات الأساسية للريادة وهي التفكير غير التقليدي، وتقديم حلول مستدامة وتحقيق أثر اجتماعي إيجابي، وتختم الكاتبة الفصل الأول من الكتاب بتقديم أربعة أمثلة ونماذج تطبيقية تشمل تجربة محمد يونس/بنك جرامين، ومنى إسكندر/حي الزبالين، ومعسكرات الكوارث والتي تقدم حلول تكنولوجية للإنقاذ، وأخيرا تجربة زدني في التدريب من أجل التنمية.


وفي الفصل الثاني تتناول الكاتبة تعريف وسمات الرائد الاجتماعي، فالرائد الاجتماعي هو إنسان يتسم بالوعي والمعرفة والثقة بالنفس والإبداع والمبادرة والإيجابية والقدرة على إلهام الآخرين ينطلق من كل ذلك لإدراك واقع مجتمعه والتفكير العميق فيه، حتى يتبادر له مدخل واقتراب جديد لحل ما يستطيعه من مشكلاته أو تلبية حاجة مزمنة من حاجاته ثم يبادر للتحرك مع آخرين من أجل صناعة التغيير الذي يراه منشودا لتحسين ظروف الواقع. يبقى أن الريادة ليست بالضرورة بطولة فردية وهي لا ترتبط بسن أو بجنس ، بل قد تكون جماعية، أو ريادة على كبر، أو ريادة تلعب المرأة فيها دور البطولة، وفي هذا الفصل قدمت الكاتبة نماذج جمعية رسالة للأعمال الخيرية ، وساقية الصاوي كنماذج.


أما الفصل الثالث وهو أكثر فصول الكتاب أهمية من الناحية العملية فهو يقدم الطرق المؤدية للريادة ومنها القراءة حول الريادة والرواد، والتواصل معهم، والتطوع في صفوفهم، ودعمهم ومناصرتهم، والذهاب لأعماق المجتمع لفهم مشكلاته وأفكار الناس حولها،ومنها التطوع في مبادرة للريادة الاجتماعية في مجتمع أو بلد آخر مما يفتح آفاق التفكير ومسام العقل، ومنها البحث عن منافسات ومسابقات ريادة الأعمال، وتحدي الذات والآخرين فيها، والمراجعة الدائمة للأفكار والمسلمات وافتراضات الحلول للمشكلات حتى الوصول إلى أفضل الاقترابات والمداخل للبدء، ومن ثم فليشرع المبادرون إلى الأخذ بالزمام، وتأسيس مبادراتهم الخاصة، ويقدم الفصل دليلا تفصيليا للريادة الاجتماعية والمؤسسات الداعمة والراعية كمؤسسات: أشوكا، وسكول، وسيد، ويمزج ذلك بتقديم نماذج عربية وعالمية للريادة الاجتماعية.


أما الفصل الرابع والختامي للكتاب فيقدم رؤية للريادة الاجتماعية في الإسلام سواء من حيث التأصيل في القرآن والسنة والسيرة، أو من حيث النماذج من تاريخ الحركة الاجتماعية للأوقاف، ثم يختتم الفصل بتقديم نماذج أخرى للريادة الاجتماعية.


الميزة الأساسية للكتاب، أنه يقدم هذه الوجبة لأول مرة – حسب علمنا – باللغة العربية، بطريقة تمزج بين الخلفية المعرفية والطرق العملية، والكتاب أظنه يأتي في إطار سلسلة من مشاريع الكتب المماثلة التي تتناول بشكل عملي وجذاب مفاهيم وطرق اقتراب عالمية جديدة لحل المشكلات وتلبية الاحتياجات ذات الطابع الاجتماعي/ الاقتصادي، ومنها حق الامتياز المتناهي في الصغر micro franchise والشركات الاجتماعية social business والقروض المتناهية الصغر micro-credit وغيرها.


بقي أن أقول أنه كان من الأفضل الإبقاء على دقة المصطلح في العنوان "الريادة الاجتماعية" وليس الريادة المجتمعية، وهو الأمر الذي أدى لخطأ من الناشر في ترجمة المفهوم على الغلاف، لكن هذا لا يقلل من أهمية الجهد المبذول سواء في محتوى الكتاب أو في إخراجه وهو جهد طيب للباحثة متميزة، في مجال التنمية، وهي الأستاذة أمل خيري، خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والحاصلة على دبلومة معهد إعداد الدعاه، وماجستير الاقتصاد الإسلامي، في موضوع المقارنة بين مفاهيم وأسس وحركة التجارة العادلة والتجارة الحلال، وهي الرسالة التي يقوم مركز صالح كامل بطباعتها للجمهور العام حاليا.

https://www.goodreads.com/book/show/20940489

محيـط - لأول مرة باللغة العربية..كتاب يتناول«تجارب الريادة المجتمعية»



صدر أخيرًا كتاب "تجارب في الريادة المجتمعية" للباحثة فى مجالات التنمية أمل خيري. الكتاب صادر عن "مؤسسة اقرأ"، وهو الأول من نوعه باللغة العربية

يتناول الكتاب مفهوم الريادة الاجتماعية وتاريخها وأهم وأبرز الرواد الاجتماعيين قبل وبعد انتشار المفهوم، كما يتناول الكتاب السمات الأساسية للريادة وهي التفكير غير التقليدي، وتقديم حلول مستدامة وتحقيق أثر اجتماعي إيجابي، وتختم الكاتبة الفصل الأول من الكتاب بتقديم أربعة أمثلة ونماذج تطبيقية تشمل تجربة محمد يونس/بنك جرامين، ومنى إسكندر/حي الزبالين، ومعسكرات الكوارث والتي تقدم حلول تكنولوجية للإنقاذ، وأخيرا تجربة زدني في التدريب من أجل التنمية.

وفي الفصل الثاني تتناول الكاتبة تعريف وسمات الرائد الاجتماعي، والتأكيد على أن الريادة ليست بالضرورة بطولة فردية، بل قد تكون جماعية، أو ريادة على كبر، أو ريادة تلعب المرأة فيها دور البطولة، وفي هذا الفصل قدمت الكاتبة نماذج جمعية رسالة للأعمال الخيرية ، وساقية الصاوي كنماذج.

أما الفصل الثالث، فيقدم الطرق المؤدية للريادة ومنها القراءة حول الريادة والرواد، والتواصل معهم، والتطوع في صفوفهم، ودعمهم ومناصرتهم، أما الفصل الرابع والختامي للكتاب فيقدم رؤية للريادة الاجتماعية في الإسلام سواء من حيث التأصيل في القرآن والسنة والسيرة، أو من حيث النماذج من تاريخ الحركة الاجتماعية للأوقاف، ثم يختتم الفصل بتقديم نماذج أخرى للريادة الاجتماعية

السبت، 18 يناير 2014

مجموعة دول البريكس



يرمز مصطلح “بريكس” Brics إلى الحروف الأولى لأسماء الدول المكونة لهذا التجمع حيث تشير الدراسات إلى أن أول من استخدمه هو الاقتصادي الأمريكي جيم أونييل.

 والدول المكونة لهذا التجمع هي صاحبة أسرع نمو اقتصادي بالعالم. وتم تدشين التجمع عام 2008 تحت اسم "بريك" بعضوية أربع دول وهي البرازيل وروسيا والهند والصين، وما لبثت أن انضمت جنوب أفريقيا إلى المجموعة عام 2010, فأصبحت تسمى بريكس بدلا من بريك سابقا، وأعلنت المجموعة منذ البداية عن تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية.

وتشكل مساحة هذه الدول ربع مساحة اليابسة، وعدد سكانها يقارب 40% من سكان الأرض، الأمر الذي يجعل منها أكبر أسواق العالم من حيث أعداد المستهلكين، ومن ثم فإنه من المتوقع مع استمرار ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل في هذه الدول إلى المستويات العالمية أن تصبح أيضا أكبر أسواقه الاستهلاكية، ومن ثم توفير فرص أكبر للنمو. ومن المتوقع بحلول عام 2050 أن تنافس اقتصادات هذه الدول، اقتصاد أغنى الدول في العالم حاليا - حسب مجموعة جولدمان ساكس البنكية العالمية-.

الاثنين، 26 أغسطس 2013

سماعون للكذب.. هل اكتسب جيل التطبيع صفة اليهود؟!


بقلم: أمل خيرى

منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر والكيان الصيوني والتي نصت على التطبيع الكامل للعلاقات بينهما تغيرت عقيدة الكثير من المصريين، من اعتبار إسرائيل جرثومة دخيلة في قلب الوطن العربي وعدوا أزليا يجب محاربته إلى صديق وجار استراتيجي يجب الحفاظ على العلاقات معه، ومعاداة حركات المقاومة التي تقاوم هذا المحتل، واعتبارها العدو الأول, كحماس على سبيل المثال. 



فمن أهم مساوئ التطبيع إزالة الحاجز النفسي بين اليهود والمسلمين؛ الأمر الذي يجعل المصري المسلم العربي يتقبل وجود دولة يهودية بجواره يعادي من يقاومها ويعتبره إرهابيا، لهذا كان أحد شروط الصهاينة في اتفاقيات السلام محو كل ما من شأنه تعميق العداء مع اليهود سواء في الكتب أو الصحف أو المناهج المدرسية، من حذف للآيات التي تفضح صفات اليهود أو منع عرض أية برامج أو دراما تركز على طبائع اليهود الخسيسة ونشر ثقافة التطبيع والتعايش، الأمر الذي أدى لتمييع القضية لفلسطينية وشق الصف العربى. 


أما الأمر الأكثر خطورة -في نظري- فكان العمل على نشر الفساد والرذيلة في المجتمع العربي لمحو مكونات الهوية الإسلامية والثقافة العربية الأصيلة، وتغيير سمات العربي الأصيل صاحب النخوة والكرامة والإباء والإنصاف والعقل الراجح والصدق، ليتحول إلى مسخٍ يهوى الفساد والضيم والخنوع والكذب والتضليل والاكتفاء بملذات الدنيا. 


من هنا بدأت بافتراضية صادمة قليلا تحتاج للنقاش والدراسة: هل اكتسب الشعب المصري من صفات اليهود بعد التطبيع؟، وهل انتقلت بعض صفات اليهود المميزة لهم إلى بعض المصريين عبر بوابة التطبيع؟ 


وبما أن صفات اليهود التي تحدث عنها القرآن كثيرة أكتفي بصفة واحدة, ذمها القرآن وهي صفة (سماعون للكذب)، فلماذا أصبح المصريون شركاء لليهود في هذه الصفة البغيضة؟ 


سماعون للكذب 


يقول تعالى في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)﴾. 


توضح الآيات إحدى صفات اليهود المميزة وهي (سماعون للكذب)، وسمَّاعون جمع سَمَّاعٍ، وهي صيغة مبالغة من سامع، فهو لم يسمع مرة واحدة بل هو كثير السمع، يعرف أن ما يستمع إليه كذب ولكنه مع ذلك لا يكف عن معاودة الاستماع للكذب حتى يصير الاستماع للكذب من طبائعه وعاداته اللصيقة. 


ولم تُعرف أمة من الأمم بهذه الصفة غير اليهود، ومع ذلك وصف القرآن فئة أخرى بهذه الصفة وهم المنافقون الذين يتخذون سماع وقبول وترويج الكذب ديدنا لهم؛ فالكذب والاستماع للكذب من الصفات المتناقضة مع الإيمان ولا يمكن أن يجتمع الإيمان والكذب في قلب المؤمن؛ لذا قرنت الآيات بين المنافقين (الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) وبين اليهود (من الذين هادوا) لاشتراكهما في اعتياد سماع الكذب والسماع لقوم آخرين ثم تحريف الكلم عن مواضعه. 


ولا يختلف اثنان الآن على انتشار هذه الصفة بين كثير من المصريين الذين يستمعون إلى الكلام الكاذب من الإعلام الموجه وإلى الكاذبين من الإعلاميين، فيقبلوا به ويصدقونه ويروجونه بل ويثنون على قائله، فقط لأنه يحقق مصلحتهم أو يؤيد وجهة نظرهم، ما يعني أنهم يصدقونه ويسمعونه لأنه يوافق هوى في نفوسهم. 


وقد حذرت آيات أخرى من اندساس فئة من المنافقين في صفوف المسلمين يسعون لنشر الفتنة, ومع ذلك من الناس من هم سماعون لهم رغم كذبهم ونفاقهم، فقال تعالى في سورة التوبة ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ التوبة (47(. 


قال الحافظ ابن كثير –رحمه الله- و(فيكم سمّاعون لهم)، أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. 


وقال الطبري -رحمه الله- "اختلف أهل التأويل في تأويله: فقال بعضهم: وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يؤدُّونه إليهم، عيون لهم عليكم، وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيكم من يسمع كلامهم ويُطيع لهم". 


وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان": "وَفِيكُمْ أناس ضعفاء العقول (سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فللّه أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم". 


وقال صاحب المنار "وفيكم سماعون لهم أي: وفيكم أناس من ضعفاء الإيمان أو ضعفاء العزم والعقل كثيرو السمع لهم؛ لاستعدادهم لقبول وسوستهم، وقيل: أناس نمامون يسمعون لأجلهم ما يعنيهم ". 

لماذا يسمعون الكذب؟ 


فما الذي جعل بعض المصريين رغم كل التضليل الإعلامي والتحريض على الفتنة يحبون سماع الكذب المفضوح، بحيث تغلغل في أعماق قلوبهم وأشربوه، وأضحوا يتلذذون ويطربون لسماعه، ويسعون جاهدين للبحث عنه؟ 


يجيب عن هذا السؤال الشهيد سيد قطب؛ فقد قال في الظلال "سماعون" بما يشي بأن هذه أصبحت خصلة لهم تهش نفوسهم لسماع الكذب والباطل وتنقبض لسماع الحق والصدق، وهذه طبيعة القلوب حين تفسد وعادة الأرواح حين تنطمس، ما أحب كلمة الباطل والزور في المجتمعات المنحرفة وما أثقل كلمة الحق والصدق في هذه المجتمعات، وما أروج كلمة الباطل في هذه الآونة، وما أشد بوار الحق في هذه الفترات الملعونة" 


إذًا السبب هو فساد القلوب وانطماس الأرواح وانحراف المجتمعات، وما ذلك إلا لاتباع الهوى وتغليب حظ النفس، قال تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (الفرقان43)، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية 23)، فبينت الآيات أن عاقبة اتباع الهوى تتمثل في طمس البصر والبصيرة بحيث يصبح الإنسان في هذه الحالة كالأنعام بل أضل، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف 179). 


في حين حذرنا القرآن ليس فقط من اتباع الهوى بل من طاعة من يتبع هواه ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف 28). 


كما حذرنا من محترفي الكذب الذين يلحنون القول ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد 30)، وحذرنا من أن بعض شياطين الإنس والجن يزينون القول حتى يفتتن بهم الناس ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام 112). 


وعلى الرغم من تحذيرات القرآن الكثيرة للمسلمين من أمثال هؤلاء الذين يزخرفون القول والذين أوتوا من فصاحة اللسان وبلاغة البيان مع فساد قلوبهم في آيات كثيرة من بينها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة 204)، وكذلك ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المنافقون 4). وقال تعالى ﴿قُتل الخراصون﴾ (الذاريات 10) أي لعن الكذابون أصحاب القول المختلف. 


وما جاء هذا التحذير إلا لأن هؤلاء الذين يلحنون القول سيكونون أول من يتبرأ من الذين سمعوا لهم واتبعوهم يوم القيامة ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ (القصص 63). 


وعلى الرغم من كل هذا الذم لسماع الكذب أو اتباع الخراصين فهل تعلم أن معظم هؤلاء الإعلاميين ومروجي الكذب والفتن قد خاضوا في آيات الله واستهزأوا بها وخاضوا في أعراض الصحابة وافتروا الكذب على الإسلام، بل لم يسلم الرسول صلى الله عليه وسلم من سخريتهم، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، لكن نسوق بعضها للتذكرة فقط: 


قال عمرو أديب في برنامج "القاهرة اليوم": "لن تحكمنى آية من آيات الله أو شيخ، فلن يكون للدين سيطرة على الدولة، والسيادة للقانون فقط ولن أقبل بغير هذا"، كما قال معلقا على وصف بعض أتباع النظام السابق بـ(الفلول): "لماذا لم يقال عن عمر بن الخطاب أنه من الفلول عندما دخل الرسول مكة، ولم نسمع عن خناقة بين الكفار والمسلمين وقتها" وهو ما يعد استهزاءً بصحابة النبى الكرام. 


وتساءل خالد منتصر "ما دخل الله في السياسة؟" 


وقال عادل حمودة على قناة النهار معقبا على الوقفات الاحتجاجية على الفيلم المسيء للرسول: "الرسول ليس مصري الجنسية حتى تتحرك السفارة المصرية للدفاع عنه". 


أما إبراهيم عيسى فقد قاد حملة شعواء على الصحابي الجليل أبي هريرة، كما سخر من آيات الله فقال "هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ"، ثم سخر واستهزأ بحركات جسده وبكلامه من كتاب الله عز وجل قائلاً: "سلطانيّة سلطانيّة ده سلطانية محمد مرسي"، كما سخر من أذان المسلمين عبر مكبرات الصوت، وخاض في كثير من الصحابة. 


ولا يتسع المقام هنا لعرض كم السخريات الهائلة من الإسلام ورموزه التي عرضها باسم يوسف. 


هذه الأمثلة وغيرها تؤكد حقيقة أن كثيرًا من إعلاميي الضلال سخروا من الإسلام ورموزه وتهكموا على كتاب الله وافتروا الكذب على الصحابة، إلا أن المشكلة ليست فيهم بقدر ما هي في السماعين لهم، رغم تحذير القرآن من الاستماع لمثل هؤلاء، بل نهى القرآن عن حضور مثل هذه المجالس ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء 140)، وهو تحذير شديد اللهجة؛ حيث جعل المستمع لمن يستهزأ بآيات الله شريك معه في الوزر والمصير؛ ليجتمع الكافر الذي يكفر بآيات الله ويستهزأ بها مع المنافق الذي استمع إليه ولم يترك هذه المجالس. 

كن كالنجاشي 


تذكر كتب السيرة بعضَ صنوف الحرب الإعلامية التي مارستها قريش ضد نبي الإسلام، والترويج لكثير من الأكاذيب بحقه وبحق دعوته، لكن مع ذلك نذكر موقفا حكيما للنجاشي ملك الحبشة وكيف واجه هذه الأكاذيب، فبعد هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة أرسلت قريش عمرو بن العاص الذي دخل على النجاشي، فقدم له الهدايا العظيمة ثم بدأ خطبته بتسفيه المهاجرين عنده بقوله "أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء"، ثم حاول أن يوغر صدر النجاشي عليهم وتصويرهم كمارقين لجئوا إليه ولم يؤمنوا بدينه فقال "فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت"، ثم لوح له بإمكانية قطع العلاقات مع دولته من قبل أشراف مكة الذين أرسلوه فقال "وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه"، وفي عبارته هذه لفتة إلى أن أشراف مكة هؤلاء هم الأوصياء على هؤلاء المهاجرين والأحق بهم. 


وبالطبع مهد عمرو بن العاص لمهمته هذه في إقناع النجاشي بتقديم الهدايا للبطارقة وحاشية الملك حتى إنهم تدخلوا في الحديث ليقنعوه برد المهاجرين فقالوا "صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم". 


وعلى الرغم من ذلك, ولأن النجاشي ملك عادل لا يُظلم عنده أحد، فإنه لم يتأثر بالأكاذيب التي ساقها ابن العاص؛ فقد رأى من بين هؤلاء المهاجرين أشرافا من قريش وليس غلمان سفهاء فقال كلمته الشهيرة "لا والله، لا أسلمهم إليهما، ولا يُكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوَهم فأسألهم مما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني". 


لم ينخدع إذًا النجاشي بحديث سفير قريش بل أعمل عقل وحكمته ليوازن كلامه وفي الوقت نفسه استمع إلى الطرف الآخر حتى يصير حكمه عادلا. 


الأمر الأكثر غرابة أنه حتى في عهد الجاهلية كان الرجل يخاف أن يؤثر عنه كذب فتضيع هيبته بين الناس، ونتذكر موقف أبي سفيان بن حرب مع هرقل حين استدعاه ليسأله عن النبي ومعه تجار من مكة فقال قولته الشهيرة "فوالله لولا الحياء من أن يؤثر أصحابي عني الكذب لكذبته حين سألني عنه، ولكني استحييت أن يؤثروا الكذب عني فصدقته!". 


هكذا الجاهليون يستحون من الكذب، وهكذا الملك النصراني لا تنطلي عليه الأكاذيب، فمال بال كثير من المصريين يتعمدون الكذب ويهشون له ويستمعون إليه تماما كاليهود؟!، هل تأثروا بالفعل بصفات اليهود بعد التطبيع؟ وصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم "لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ "فَمَنْ؟". 


http://www.alamatonline.net/l3.php?id=69843

الجمعة، 2 أغسطس 2013

ميدل إيست مونيتور: خسائر الاقتصاد المصري 11.5 مليار استرليني منذ الانقلاب


ميدل إيست منيتور البريطاني:

ماحدث في مصر إنقلاب عسكري .. والإقتصاد المصري يتهاوى
وصف مرصد الشرق الأوسط Middle East Monitor واختصاره MEMO ومقره بريطانيا، ماحدث في مصر انه انقلاب عسكري، واكد ان الاقتصاد هو المتضرر الاكبر، حيث تكبدت مصر خسائر فادحة تقدر بـحوالي 120 مليار جنيه خسائر للاقتصاد المصري منذ “الانقلاب العسكري”.
وقد ذكر المرصد ان هذه الخسائر الضخمة تعود للعديد من الاسباب منها هروب الاستثمار الأجنبي في مصر، فضلا عن أن العديد من المصانع ومرافق الإنتاج توقفت عن العمل، كما تأثرت البورصة المصرية وخسرت مايقدر بنحو 50 مليار جنيه مصري، بينما كان القطاع الأكثر تضررا من الاستقرار السياسي هو صناعة السياحة، حيث حذرت عدد من الدول الأجنبية رعاياها من الوضع في مصر.
ويشير المركز انه على الرغم من أن الحكومة المصرية أعلنت ارتفاعا في احتياطيات العملات الأجنبية بعد الانقلاب العسكري نتيجة المساعدات المالية من السعودية والامارات والكويت، الا ان خبراء الاقتصاد يؤكدون أن هذا ليس له تأثير حقيقي على قوة الاقتصاد وسلامته، لانها عبارة عن ودائع تعاد في وقت لاحق.


http://www.middleeastmonitor.com/news/africa/6734-egyptian-economy-hit-by-p115-billion-losses-since-the-coup

الثلاثاء، 30 يوليو 2013

دليل الطغاة للاستخفاف بالجماهير

(فاسْتخف قوْمهُ فأطاعُوهُ إنهُمْ كانُوا قوْما فاسقين) (الزخرف 54) 

مررت على هذه الآية مئات المرات في القرآن الكريم، وكل مرة أتعجب كيف يمكن أن يستخف طاغيةٌ قومه؟ وكيف يمكن أن يطيع قومٌ ما طاغيةً بكل أريحية؟ ولماذا شعب مصر الوحيد الذي اقترن بهذه الصفة في القرآن؟ لكن شاء الله أن يجعلني أحيا هذه اللحظات التي تتجسد فيها أمامي عملية صناعة الطغاة واستخفافهم بأقوامهم، بل ورأيت تصفيق هؤلاء القوم للطاغية وهتافهم باسمه وليس مجرد طاعته، ببساطة لأنهم قوم فاسقون! 


عفوا، ليس هذا تجنيًا مني عليهم بل هو وصف القرآن الكريم لهم، (فاسْتخف قوْمهُ فأطاعُوهُ إنهُمْ كانُوا قوْما فاسقين)، فما هو الفسق؟ 


الفسق في اللّغة: الخروج عن الشيء أو القصد, وكذلك الخروج عن الطّاعة، وعن الدّين، وعن الاستقامة، وهو أيضا الفجور. والفسق في الأصل خروج الشّيء من الشّيء على وجه الفساد، ومنه قولهم‏:‏ فسق الرّطب:‏ إذا خرج عن قشره، وفسقت الفأرة عن جحرها إذا خرجت منه. 


أما في الاصطلاح فالفسق هو: العصيان وترك أمر الله تعالى، والخروج عن طاعته، وعن طريق الحق، قال الشّوكانيّ‏:‏ هو الخروج عن الطّاعة وتجاوز الحدّ بالمعصية‏.‏ ويقال رجل فاسق: أي عصى وجاوز حدود الشرع، ومعنى فسق عن أمر ربه؛ أي خرج عن طاعته، وفي الموسوعة الفقهية: الفسق هو الخروج عن طاعة الله بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب، أو الإصرار على صغيرة؛ فمن قارف كبيرة ولو واحدة، أو أصر على صغيرة من نوع واحد، أو على صغائر مختلفة، فسق وسقطت عدالته. 


‏من هنا يطلق الفسق على من خرج عن طاعة اللّه عزّ وجلّ، سواء كان خرج بكفر، أو خرج بعصيان، ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»‏، فالسباب هنا نوع من المعاصي، فكل من خرج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي يدخل في زمرة الفاسقين. 


طاعة الله وطاعة الطغاة 


يتبين من ذلك أن الفسق هو نقيض طاعة الله، ومن هنا ظهر لي الرابط الذي كنت أبحث عنه بين إطاعة الطغاة وبين الفسق؛ فالذي يطيع الله لا يمكنه أبدا أن يطيع الطغاة، والطائع للطغاة لا يمكنه أبدا أن يكون طائعا لله, وهو ما لخصته الآية بالفسق، فقوله تعالى (إنهم كانوا قوما فاسقين) توضح سبب وعلة طاعة هؤلاء القوم للطاغية وقابليتهم لأن يكونوا موضع استخفافه؛ فلا تجتمع طاعة الله وطاعة الطغاة في قلب عبد مؤمن. 


يقول صاحب الظلال "وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه، لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله. فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت، ولا يمكن أن يطيع له أمراً، وهو يعلم أن هذا الأمر ليس من شرع الله". 


أما الرابط الثاني -والله أعلم- فإن الطاغية نفسه لا يمكن إلا أن يكون ظالما فاسقا، ومن ثم فإن من يطيعه فاسق مثله، فقد ارتكن إلى ظالم، وقال تعالى (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)‏، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ "لا تصاحب إلاّ مؤمناً ولا يأكل طعامك إلاّ تقيّ"، وقوله‏:‏ "الرّجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"، وقوله "من أحب قوما حشر معهم". 


وقد ورد النّهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بالسيّد ونحوه من الألقاب الّتي تدلّ على تعظيمه، لأنّ في ذلك تعظيم من أهانه اللّه تعالى‏، بل لقد نصّ المالكيّة والشّافعيّة على أنّ الجلوس مع الفاسق إيناساً له يعدّ من صغائر الذّنوب الّتي تغفر بالحسنات‏.‏. 


كما اتّفق الفقهاء على عدم قبول شهادة الفاسق، لقوله تعالى‏:‏ (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)‏، ولقوله تعالى‏:‏ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا). 


وفي الآخرة مصير الفاسق حدده الله تعالى في قوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. 


كيف يتم الاستخفاف؟ 


قال ابن الأعرابي في معنى قوله تعالى (فاستخف قومه): فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، يقال: استخفه الفرح أي: أزعجه، واستخفه أي: حمله على الجهل، ومنه: ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. وقيل: استفزهم بالقول فأطاعوه على التكذيب. وقيل: استخف قومه أي: وجدهم خفاف العقول. وقيل: استخف قومه وقهرهم حتى اتبعوه، يقال: استخفه خلاف استثقله، واستخف به أهانه. 


من هذه المعاني التي أوردها ابن الأعرابي يمكن القول إن الاستخفاف بالقوم يشمل معنى استجهالهم أي حملهم على الجهل ودعوتهم للغواية لخفة عقولهم أو الاستهانة بهم لضعة شأنهم، فإما أنه وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه، أو وجدهم صغيري الشأن فاستصغر شأنهم وقهرهم وأهانهم. 


وسواءٌ كان الاستخفاف بهم لضعف عقولهم أو قلة شأنهم فإن النتيجة أنه دعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له! 


ومن هنا جاء الارتباط بين الاستخفاف والفسق أي الخروج عن طاعة الله، يقول صاحب الظلال: 


"واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين! 


ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح". 


ماذا تفعل لو كنت طاغية؟ 


حاولت أن أضع نفسي موضع من يرغب أن يكون طاغية يأمر قومه فيطيعوه ويستخف بهم فيسارعون لنيل رضاه فوجدت أن الطريق يحتاج لخطوات: 


عزل الجماهير عن سبل المعرفة الصحيحة (إغلاق فضائيات- مصادرة صحف- قصف أقلام...)، طبعا ما عدا المملوكة أو التابعة لي. 


توجيه الجماهير من خلال مفهوم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) وذلك عبر خطة ممنهجة من الشئون المعنوية والمخابرات لتوحيد الخطاب في الصحف والفضائيات المملوكة أو التابعة بحيث لا تحيد عنها، لأتمكن من قلب الحقائق وتزييفها كما يحلو لي، ألست أنا مصدر الإلهام الأوحد؟! 


شغل الناس بالتوافه من الأمور، وإبعاد الدين عن كل مظاهر الحياة وإضعاف الوازع الديني، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فنسيان الله يؤدي لأن ينسى البشر أنفسهم أي ينسون الغاية الحقيقة من خلقهم وهي عبادة الله وطاعته، ومن ثم ينتقلون من الطاعة إلى الفسق الذي ييسر للطاغية أن يستخف بهم ليكونوا طوع أمره، فيفعل المنكرات والكبائر فيصفقون له، ويبررون له. 


نزع المعاني الإنسانية في القلوب، وشحن النفوس ضد عدو مصطنع داخلي أو خارجي لتهيئة العقول لتقبل فكرة سحقه والقضاء عليه، بحيث يصل لمرحلة التشفي والفرح كلما رأى أحد هؤلاء الأعداء مقتولا أو معتقلا أو مهانا فينشغل في هذا الشعور, فأجعله يتوحد شعوريا معي كلما بطشت بهذا العدو ويبرر لي أفعالي، فلا يتمكن من رؤية ما أفعله به هو شخصيا من خنق لحريته وحين يتنبه يكون قد فات الأوان. أبدى أحد الإخصائيين النفسيين منذ عام تخوفه من إطلاق كلمة (الخرفان) على الإخوان المسلمين وأدرك أن الأمر ليس صدفة بل ربما يكون خطة ممنهجة لتهيئة الوعي العام بأن هؤلاء بالفعل خراف وليسوا بشرا مما يسهل عليه بعد ذلك قبول ذبحهم بل ويفرح ويتشفى ويبرر قتلهم بنفس الحجج التي ظل على مدى عام كامل يسمعها من الإعلام الموجه، أليسوا خرافا والخراف تذبح؟! 


تخويف الجماهير من الفوضى والإرهاب عن طريق إشاعتهما بكثرة، ثم أعدهم بإعادة الأمن والقضاء على الفوضى والإرهاب إن أطاعوني ومنحوني كل الصلاحيات اللازمة، فيرتموا تحت أقدامي ويأتوني من أول غمزة! 


أستخدام سلاح التجويع, فالجماهير العريضة لا تخاف على شيء قدر خوفها على رزقها وطعامها، (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ)، فألقي في روعهم أني المتحكم في صنبور الرزق والطعام وأن بإمكاني وحدها فتحها أو إغلاقها فيهرعون إلي يقبلون التراب تحت قدمي. 


التلاعب بالمصطلحات وطمس الحقائق وتزييف العلم، فلابد لي من الاستعانة بزمرة من المحللين والفقهاء والخبراء والعلماء والمفكرين وقادة الرأي فيزيفون الحقائق ويخترعون مصطلحات جديدة ويضعون معاني مخالفة لمصطلحات مستقرة، فيصبح المتدين إرهابيا، والمتحلل أخلاقيا متنورا، والبلطجي ناشطا سياسيا والداعية تاجر دين، والراقصة قدوة.....، فتستقر في وعي الجماهير هذه المعاني الجديدة وحينها أكون الوحيد القادر على إنقاذ هذه الجماهير من تجارة الدين والإرهاب ليسهل لي بعد ذلك قياد هذه الجماهير وتغيير قناعاتها، تهيئةً لقبولي قائدا ملهما وزعيما قوميا وفارسا لا يشق له غبار وصانع الأمجاد وربان السفينة ومنقذ الوطن ورجل المرحلة..... 


والآن بعد أن أصبحت هذا الطاغية الذي لا يشق له غبار، لا يقلقني ولا يقض مضجعي إلا هذه الشرذمة المؤمنة التي يصعب خداعها والاستخفاف بها والتي تأبى إلا الحرية.. فماذا تفعل لو كنت مكاني؟

الأربعاء، 24 يوليو 2013

ماذا تعني الحرب الأهلية التي يدعو إليها قادة الانقلاب؟


نعود بذاكرتنا للوراء قليلا وتحديدا لمطلع التسعينيات من القرن الماضي:
فقد استيقظ المسلمون في البوسنة على أصوات المدافع، وطلقات الرشاشات، من جيرانهم الصرب والكروات المسيحيين ، وفوجئ المسلم البوسني أن جاره المسيحي الذي جاوره أكثر من عشرين أو ثلاثين عاما يرفع في وجهه السلاح بحجة أنه مسلم وليس بصرب ولا كروات، وقالوا لهم صراحة (لا مكان للإسلام في أوربا!).
بقيت (سراييفو) تحت الحصار الصربي الحاقد أربعةً وأربعين شهراً، لا يصلها الغذاء والدواء إلا عبر نفق ضيق اقترح حفره أحد المجاهدين المصريين. وأسفرت المجازر عن 200000 قتيل، و300000 معاق، و1200000مهجَّر عن أرضه.

وفي أمريكا أدت الحرب الأهلية إلى مقتل 620000 جنديا وعددا غير معروف من الضحايا المدنيين.

وفي لبنان انطلقت الشرارة الأولى للحرب الأهلية اللبنانيةعام 1975 لتوقع أكثر من 150 ألف قتيل وأكثر من20 ألف مفقود وتشريد مئات الآلاف من اللبنانيين على مختلف طوائفهم ومذاهبهم . 

الحرب الأهلية لا تحل مشكلات سياسية ولا تقضي على الاستقطابات الحادة بل تستمر لأعوام فتقضي على الأخضر واليابس.
لا حل إلا بعودة الشرعية التي ارتضيناها سواء عبر الصناديق أو عبر الحشود الهادرة التي خرجت تؤيدها وعلى أي متعام عن  هذه الحشود أن يخلع نظارته السوداء وينظر لهذه الحشود وينزل على إرادتها لا أن يستحث الحشود المضادة على الاحتشاد لإيقاع حرب أهلية بين الإخوة في البيت الواحد.

الثلاثاء، 21 مايو 2013

أسوة بالقمح .. حملة قومية للنهوض بالذرة الصفراء


أمل خيري
جريدة الشعب

أعلن الدكتور باسم عودة، وزير التموين عن توقيع بروتوكول تعاون مع وزارة الزراعة، للتوسع فى زراعة الذرة الصفراء، لتوفير الأعلاف للثروة الحيوانية والداجنة، وإنتاج الزيوت من خلال العروة الصيفية والنيلية، للحد من الاستيراد. وقال الوزير فى كلمته بمؤتمر مستقبل الحبوب ومنتجات الشرق الأوسط إن وزارة التموين حددت 330 جنيهًا كسعر ضمان توريد الذرة الصفراء، تشجيعًا للمزارعين، لسد العجز فى فجوة الأعلاف التى تعانى منها مصر منذ سنوات طويلة. 

فيما أكد عبد الرحمن شكري نقيب فلاحي مصر، أن النقابة تقوم بالإعداد لحملة قومية لزراعة محصول الذرة الصفراء وزيادة المساحات منها؛ للحد من مساحات الأرز؛ وبالتالي توفير المياه لزراعات أخرى وفي نفس الوقت سد النقص في الأعلاف والفجوة الزيتية التي تصل إلى 95%. 

يذكر أن حجم استهلاك الذرة الصفراء يتجاوز6 ملايين طن سنويا، ينتج منها محليا 1.1 مليون طن، فيما يتم استيراد أكثر من 5 مليون طن، بقيمة تتجاوز الـ 3 مليارات جنيه، مما يستوجب ضرورة السعي الجاد للتوسع في المساحة المنزرعة من الذرة الصفراء لتوفير هذه المليارات. ولتحقيق الاكتفاء الذاتي من الذرة الصفراء لابد من زراعة 2 مليون فدان حيث يبلغ متوسط إنتاجية الفدان ما بين 23-24 إردب، ويزن الإردب نحو 140 كيلو جرام، وهو الأمر الذي يسبب منافسة للمحاصيل الصيفية الأخرى كالأرز والقطن، ومع ذلك يمكن التغلب على ذلك بالعمل على زيادة إنتاجية الفدان. 

وتستورد مصر احتياجاتها من الذرة الصفراء من الولايات المتحدة والأرجنتين وروسيا وأوكرانيا تصل منزوعة الجنين لاستخدامه في بلاد المنبع في إنتاج زيت الجنين والمقويات والمنشطات التي تحتاجها شركات المنتجات الدوائية. 

يأتي ذلك بعد مطالبة شعبة منتجي الدواجن باتحاد الغرف التجارية، وزارة الزراعة، بزيادة مساحة الذرة الصفراء إلى مليوني فدان للاقتراب من تغطية الاحتياجات المحلية وخفض الكميات المستوردة من الأعلاف بنسبة 75%، وهو ما ينعكس على تخفيض أسعار إنتاج الأعلاف التي ارتفعت بشكل كبير بسبب استيراد أعلاف الدواجن من الخارج، فيما تعهد الاتحاد العام لمنتجى الدواجن بشراء كامل المحصول الذى ينتجه المزارعين والتعاقد فورا مع المزارعين على ذلك مهما بلغت الكميات المنتجة، وتعد مزارع الدواجن من أكبر مستهلكي الذرة الصفراء في السوق المحلية. ومن أهم المحافظات التى تتركز فيها زراعه الذرة الصفراء: الشرقية والمنوفية والبحيرة والمنيا. 

وبالإضافة لاستخدامها كأعلاف حيوانية تستخدم الذرة الصفراء في تغذية الإنسان، وتدخل كذلك في الصناعة، حيث يستخدم دقيق الذرة في صناعة النشاء والكحول وصناعة الشراب الصناعي، كما يستخرج زيت الذرة من أجنة حبوب الذرة، وتدخل بقايا النبات في صناعة البلاستيك والورق، وتدخل الحبوب في تصنيع شراب الذرة؛ ومن ثم فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الذرة الصفراء يوفر المليارات على الدولة من استيراد هذه المواد، خاصة أن مصر تستورد 98% من احتياجاتها من الزيوت والتي تقدر بنحو 1.1 مليون طن سنوياً. 

وكانت وزراة الزراعة قد وافقت الشهر الماضي على تقديم الدعم الفني اللازم لتنفيذ مشروع مصري لزراعة الذرة الصفراء في السودان على مساحة 30 ألف فدان بولاية نهر النيل، وأبدت الوزارة استعدادها لتلبية احتياجات المشروع المصري من التقاوي عالية الإنتاجية للوصول بالمستهدف من زراعة المساحات المخصصة للشركة المصرية وهو 300 ألف طن تساهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد من الدول الأجنبية والتوجه نحو المنطقة العربية والأفريقية بما يعود بالمصلحة على الشعوب. 



اقتصاد العالم في قبضة الثلاثة الكبار!


حقيقة الدور المشبوه لوكالات التصنيف الائتماني 

كتبت: أمل خيري 

جريدة الشعب 

للمرة السادسة منذ انطلاق الثورة المصرية أعلنت وكالة "ستاندرد آند بورز" العالمية للتصنيف الائتماني تخفيض تصنيف الديون السيادية الطويلة الآجلة بالعملتين الأجنبية والمحلية من "B-" إلى "C+" مع نظرة مستقبلية سلبية، وأشارت الوكالة إلى أن تخفيض التصنيف الائتماني جاء على خلفية تصاعد المخاطر الخاصة بالمالية العامة للدولة، حيث يبدو الوضع المالي للدولة غير مستدام. 

ولم تكتف الوكالة بذلك بل أعلنت الخميس الماضي تخفيض تصنيفها لـ 4 بنوك محلية، وهي "الأهلي المصري"، و"مصر"، و"التجاري الدولي"، و"الأهلي سوسيتيه جنرال". وأرجعت الوكالة فى بيان لها، السبب وراء التخفيض إلى ما أسمته مخاطر قد تتعرض لها هذه البنوك من استثماراتها في الدين الحكومي المحلي. 

بالطبع سارع الكثير من خبراء الاقتصاد لإبراز المخاوف بشأن تردي الأوضاع المالية في مصر عقب هذا التخفيض في إشارة إلى أن الخبر سينعكس سلبا على الاستثمارات المحلية والأجنبية بالإضافة إلى مفاوضات صندوق النقد الدولي مع مصر وربما انهيار الاحتياطي النقدي. فهل لهذا التهويل ما يبرره؟ وماذا يعني خفض التصنيف الائتماني للدولة؟ وما أبرز الوكالات القائمة بهذا الدور وكيف تقوم بعملها؟ وهل تحكم هذه الوكالات قبضتها على اقتصاد الدول؟ وما حقيقة دورها المشبوه في تدمير الاقتصاد؟ 

شهادة ثقة اقتصادية 

التصنيف الائتماني أو درجة الجدارة لأي جهة يقصد به تقدير صلاحيتها للحصول على قروض وقدرتها المالية على تسديدها. وتضطلع بهذا الدور وكالات متخصصة للتصنيف، تعود نشأتها لعام 1975، استجابة لطلبات شركات التأمين الأمريكية من هيئة الأوراق المالية الأمريكية لتحديد حجم المخاطر التأمينية، ومع الوقت أصبحت هذه الوكالات تقوم بتصنيف الجدارة الائتمانية للدول كذلك. 

وتحتكر السوق العالمية في مجال التصنيف الائتماني ثلاث وكالات هي: "ستاندرد آند بورز" ، "فيتش" إضافة لوكالة "موديز"، ويستحوذ الثلاثة الكبار على أكثر من 90 % من السوق. وتتراوح درجة التصنيف بين جدارة ائتمانية عالية AAA، والتي تدل على استقرار الدولة المصدرة للسندات أو الصكوك، ثم جدارة متوسطة تبدأ من BBB، ثم CCC والتي تحمل درجة مخاطرة عالية، وأخيرا D والتي تشير إلى تعثر الدولة أو اقترابها لحافة الإفلاس. 

وبما إن الأسباب المعتادة لتخفيض تصنيف الدول تتلخص في انخفاض الاحتياطي النقدي وعدم الاستقرار السياسي والانفلات الأمني وغيرها من المؤشرات، فإن التخفيض الأخير لمصر تقف وراءه أسباب سياسية بالتأكيد؛ فلا يخفى على أحد أن هذا الإعلان جاء عقب ارتفاع الاحتياطي النقدي بمقدار مليار دولار خلال شهر أبريل، فكيف يتم تخفيض التصنيف الائتماني مع ارتفاع الاحتياطي؟، إضافة إلى الهدوء النسبي الذي تشهده البلاد. 

من هنا لا يمكن قراءة هذا الإعلان الأخير عن تخفيض التصنيف الائتماني لمصر إلا في ضوء الموافقة على قانون الصكوك، والإعلان عن البدء في مشروع تنمية إقليم قناة السويس، وزيارات الرئيس الأخيرة لدول البريكس وإبداء رغبته في انضمام مصر للمجموعة، فهذا التقييم جاء بعد يوم واحد فقط من زيارة مرسي للبرازيل، كما تأتي مع ارتفاع توريدات القمح التي تؤذن بانخفاض وراداته من الخارج خاصة من الولايات المتحدة أكبر مورد للقمح في مصر، مما يثير الشك حول عمل هذه الوكالات، في خطوة تبدو استباقية لإخافة المستثمرين من الإقبال على مشروع تنمية القناة أو الصكوك أو الإقدام على أي استثمارات في مصر، وكأنها تعاقب مصر على كل ما سبق ذكره من خطوات. يعزز ذلك ما أعلنته "ستاندرد آند بورز" : "نعتقد أن مصر على المحك، وتحتاج إلى حد كبير من التوافق السياسي والاقتصادي، لتتمكن من الوفاء بخدمة ديونها"، وهو تدخل سياسي سافر من قبلها. 

لعبة التصنيف 

فلنعد لمقولة توماس فريدمان الذي قال منذ أكثر من ثلاثة عقود:
" إذا كانت أمريكا تستطيع أن تدمر أى دولة بقوتها العسكرية فإن "موديز" تستطيع تدمير أى دولة من خلال تصنيف سنداتها ومنعها من الاقتراض من أسواق المال العالمية". وهذه المقولة صادقة تماما؛ فقد لعبت هذه الوكالات دورا مشبوها في تدمير الدول، حيث التلاعب بالتصنيف والذي على أثره يتخذ المستثمرون قراراتهم بالاستثمار في دولة ما أو التراجع عن ذلك الاستثمار. 

يكفي الإشارة إلى أنه في فترة السبعينيات كان المستثمرون أنفسهم يقومون بدفع المال لوكالات التصنيف مقابل الحصول على التقارير، إلا إنه بمرور الوقت أصبح مصدرو السندات أو المؤسسات الخاضعة للتقييم هي التي تدفع لهذه الوكالات مما يجعل مصداقيتها على المحك. 

وهناك أمر آخر يجعلنا نتشكك في مصداقية هذه الوكالات؛ فسوق التصنيف يسيطر عليه ما يسمى باحتكار القلة، فالوكالات الثلاث الكبرى استحوذت بمرور الزمن على الوكالات الصغيرة المنافسة، كما أن هناك تدخلا حكوميا سافرا يعزز هيمنة هذه الوكالات على السوق؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية لا يجوز إصدار وتداول سندات الدين في الأسواق ما لم يكن قد تم تصنيف هذه السندات من قبل وكالتين على أدنى تقدير، من الوكالات التي تعترف بها "اللجنة الأمريكية للأوراق المالية والتحويل الأجنبي"، إضافة إلى ما يكتنف عمل هذه الوكالات من عدم شفافية. 

من أجل هذا كله أخذ الكثير من وزراء المال الأوروبيين في التشكيك في هذه الوكالات عقب قيام الثلاثة الكبار بخفض تصنيف الوضع الائتماني للعديد من دول اليورو، مما دفع الأوروبيين للحديث عن إمكانية إنشاء وكالة تصنيف جديدة تواجه احتكار الثلاثة الكبار، فقد دعا رئيس المفوضية الأوربية "خوسية مانويل روسو" إلى تأسيس وكالة تصنيف ائتمانية أوربية للفكاك والتحرر من السيطرة الأمريكية. وكانت الصين قد تنبهت لهذه السيطرة الأمريكية فسارعت بإنشاء وكالة "داغونغ" للتصنيف الائتماني عام 1994. 

وكشف البعض عن انهيار سمعة هذه الوكالات عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث انهارت مؤسسات مالية كبرى وبيوتات تجارية عملاقة وشركات صناعية عالمية كانت قد حصلت من الثلاثة الكبار على تصنيفات مالية ممتازة، فأصبحت سمعة هذه الوكالات محل شك. 

الخلاصة أنه لا يجب النظر لتصنيفات الوكالات على أنها صكوك ثقة وشهادات مصداقية، ولا يجب أن نعطيها كل هذا القدر من الأهمية دون النظر إلى ما يحيط بها من شبهات وما قامت به من دور مشبوه على مدى تاريخها في معاقبة الدول أو الأنظمة عبر تفزيع المستثمرين باستخدام لعبة التصنيف. 


الجمعة، 17 مايو 2013

في الذكرى 65 على إنشائها... ما يجب أن تعرفه عن مؤسسة "راند"


أمل خيري

تحتفل مؤسسة راند الأمريكية البحثية بالذكرى الخامسة والستين على إنشائها ولأن الكثيرين لا يعرفون حقيقة هذه المؤسسة وأدوارها المشبوهة ضد الإسلام أعيد على حضراتكم مقتطفات من مقالات ودراسات نشرتها من قبل للتعريف بهذه المؤسسة.

مؤسسة راند البحثية هي مؤسسة أمريكية بحثية ذات صلة مباشرة بالمحافل الماسونية، ومن أهم مؤسسات الفكر الأمريكية ذات التأثير في دوائر صنع القرار في الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بشئون الشرق الأوسط الكبير. لذا كان لابد من إلقاء الضوء على طبيعة عمل هذه المؤسسة ودورها في تحريك الإدارة الأمريكية.

تعود نشأة مؤسسة راند إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحديدا عام 1948، حيث تأسست بإشراف سلاح الجو الأمريكي تحت اسم معهد راند " RAND Institute" على غرار بيت الخبرة البريطاني "Think Tank"، وظل سلاح الجو الأمريكي يرعى المعهد الذي ساهم في حل كثير من المشكلات التي تعترض صناع القرار في القوات الجوية. وبعد النجاح الذي أدى به المعهد دوره في خدمة صناع القرار في سلاح الجو الأمريكي ارتأت الإدارة الأمريكية توسيع نشاطه ليشمل فروع القوات المسلحة كافة ومن ثم أجهزة الدولة كلها فتحول ليحمل اسم مؤسسة راند " RAND Corporation" منظمةً بحثية غير ربحية تهدف إلى تطوير السياسات وآليات صنع القرار، وما زالت المؤسسة تتلقى دعمها المالي من الحكومة والتبرعات، وذات تأثير نافذ في السياسات الأمريكية، وتقدم خدماتها لكل من القطاعين العام والخاص. 

ويعود اهتمام راند بالإسلام وما أسمته بالخطر الإسلامي إلى عام 1999 أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بنحو عامين ، حين أصدرت كتابا بعنوان " مواجهة الإرهاب الجديد" وقد أعدته مجموعة من الخبراء الأمريكيين، وحذر الكتاب أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الشرق الأوسط ومن ثم سيشكل تهديدا للأمن القومي الإسرائيلي والمصالح العليا للولايات المتحدة في المنطقة. ثم جاء تقرير راند عام 2004 بعنوان "العالم الإسلامي بعد الحادي عشر من سبتمبر" The Muslim World After 9/11”" [1] ، وقد مثل خطة محكمة لتوجيه الإدارة الأمريكية نحو لتعامل مع العالم الإسلامي، ويُعَدُّ التقرير خارطة طريق واضحة يتعين على الساسة الأمريكيين إتباعها في كل منطقة من مناطق العالم الإسلامي. حيث تم تقسيم العالم الإسلامي تقسيما جائرا؛ فهناك منطقة سلفية وأخرى معتدلة وثالثة راديكالية، ووجه التقرير صناع القرار الأمريكي إلى ضرورة احتواء شيعة العراق لصد المد الشيعي الإيراني.

تشكيل السياسة الأمريكية

ثم جاء تقرير "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" "Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies" [2]عام 2005 الذي عَدَّ الإسلام حائطا منيعا أمام محاولات التغيير، وقام بتصنيف المسلمين إلى أربع فئات:
أصوليين ، تقليديين، حداثيين، علمانيين.
ووجه التقرير الإدارة الأمريكية إلى كيفية التعامل مع كل فئة؛ فالأصوليين يجب استئصال شأفتهم، والتقليديين يجب دعمهم ليشككوا بمبادئ الأصوليين، ومن ثم يجب دعم الشيعة والصوفية، كما يجب دعم ما أسمتهم بالمسلمين الحداثيين والعلمانيين.

أما التقرير الأخطر الذي قدمته مؤسسة راند فكان بعنوان " بناء شبكات مسلمة معتدلة" " Building Moderate Muslim Networks " [3]، الصادر عام 2007 وأثار ضجة حينها وكان يهدف إلى رسم خطة متكاملة للسياسة الأمريكية في العالم أجمع وخاصة منطقة الشرق الأوسط، وقد قدم تعريفا أمريكيا خالصا لمفهوم الاعتدال، فالمسلم المعتدل هو من يرفض الشريعة، ويؤمن بالعلمانية!

وفي عام 2008 صدر كتاب لراند بعنوان "صعود الإسلام السياسي في تركيا" "The Rise of Political Islam in Turkey" [4]، ويصف الكتاب المشهد السياسي والديني في تركيا، والعلاقة بين الدين والدولة، وكيف تقيم الدولة التوازن بين القوى العلمانية والدينية ،وبين النخب الكمالية والفئات الاجتماعية الجديدة الناشئة . ويقدم أيضا تعريفا بالتحديات والفرص الجديدة للسياسة الأمريكية في تغيير البيئة السياسية التركية، ويحدد الإجراءات التي ينبغي على الولايات المتحدة اتخاذها للحفاظ على تركيا مستقرة وديمقراطية، وصديقة.

وفي السياق نفسه قدمت راند عام 2009 كتابا بعنوان "الإسلام الراديكالي في شرق أفريقيا" " Radical Islam in East Africa". والخطورة في تقارير راند أنها تشكل المرجع الأساسي في توجيه صناع القرار الأمريكي، خاصة مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، فيكفي الإشارة إلى أن بول بريمر الحاكم الأميركي المدني السابق في العراق قد ذكر صراحة في مذكراته عن غزو العراق [5] أنه ما إن وطئت قدماه أرض العراق وبدأ يسأل عن كيفية إدارة هذه الدولة، كان تقرير مؤسسة راند الاستراتيجي عن أفضل السبل لتسيير الوضع في العراق أول ما وضعه جيم دوبنز Jim Dobbins بين يديه، ومن المعروف أن دوبنز شغل سابقا منصبا دبلوماسيا وهو محلل سياسي بمؤسسة راند ذو خبرة طويلة[6] . بل يتهم بعض المراقبين راند بعلاقاتها القوية مع شركات تصنيع الأسلحة وأجهزة الاستخبارات والتي جعلتها تضطلع بمهمة تحفيز القادة الأمريكيين لما أسمته بالحروب الاستباقية التي شهدناها في أفغانستان والعراق، وراجت على إثرها مبيعات الأسلحة وأجهزة الاستخبارات، مما أثار تساؤلات عديدة حول دور المؤسسة في الدفع بالإدارة الأمريكية لخوض حروب لا مبرر لها.


([1])  يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:
 ([2])  يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:

([3])  يمكن تحميل التقرير كاملا من هذا الرابط:
([4])  الكتاب موجود على هذا الرابط:
([5])  جاءت مذكرات بول بريمر بعنوان "عامي في العراق: صراع لأجل مستقبل مشرق"My year in Iraq: the struggle to build a future of hope
([6])  انظر مذكرات بول بريمر: L. Paul BREMER, My year in Iraq: the struggle to build a future of hope,Simon and Schuster, New York, 2006, p.p.9,10.

الثلاثاء، 14 مايو 2013

الاقتصاد البرازيلي من هوة الإفلاس إلى سادس اقتصاد عالمي



دروس في التنمية والقضاء على الفقر 

كتبت: أمل خيري

جريدة الشعب

اختتم الرئيس محمد مرسي زيارته الرسمية للبرازيل، والتي استمرت ثلاثة أيام، التقى خلالها رئيسة الدولة ديلما روسيف. ورافق الرئيس خلال الزيارة وفد رسمي كبير بغرض بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، كما شارك مرسي في افتتاح منتدي الأعمال بساو باولو، والتقى بممثلي منظمات الأعمال البرازيلية والشركات ومجموعة من أبناء الجالية المصرية. 

وبالإضافة إلى ما أسفرت عنه الزيارة من توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية بين الدولتين، فإن الزيارة استهدفت بالأساس السعي نحو الانضمام لتجمع البريكس من جهة والاستفادة من تجربة البرازيل الرائدة في التنمية ومكافحة الفقر وتطوير العشوائيات والعدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى خبرتها المُتميزة في إعداد مؤشرات لقياس مستوى التنمية المستدامة ونشر الوعي البيئي. 

كما أكد مرسي خلال لقائه بروسيف على سعي مصر للاستفادة من التجربة البرازيلية المُهمة فى انتاج واستخدام الوقود الحيوي من خلال استغلال المخلفات الزراعية والعضوية والصلبة فى انتاج الكحول كوقود من مخلفات قصب السكر وقش الأرز، وبحث إمكان تطبيقها فى مصر، وأهمية التعاون مع البرازيل في مجال الاقتصاد الأخضر، الذي يعتمد على موارد الطاقة النظيفة كانتاج الطاقة من الرياح، باعتبار أن الطاقة أحد أهم ركائز تحقيق النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى تعزيز السياحة البيئية. 

التجربة البرازيلية 

في عام 2002 تقدمت البرازيل بطلب لصندوق النقد الدولي لمنحها قرضا بقيمة 30 مليار دولار، وقوبل طلبها بالرفض خوفاً من عدم قدرتها على تسديده، إلا إنها في غضون سنوات قليلة استطاعت أن تتحول من دولة على وشك الإفلاس إلى سادس أقوى اقتصاد عالمي، متخطية المملكة المتحدة بناتج محلي إجمالي 2.5 تريليون دولار، بل وأصبحت دائنة لصندوق النقد الدولي بنحو 20 مليار دولار!، بفضل سياسات الرئيس السابق “لولا دا سيلفا”(2003-2010). 

من البرامج التي قام بها “دا سيلفا” برنامج صفر جوع، والذي أطلقه في العام الأول لحكمه، وتضمن العديد من البرامج الاجتماعية مثل برنامج "المنح العائلية"، والذي تتلقى بموجبه 13 مليون عائلة فقيرة جدا مساعدات من الدولة تتراوح بين 39 و78 دولار شهريا للفرد الواحد بشرط إرسال الأطفال للمدارس والخضوع للمتابعة الطبية، ونجح البرنامج في انتشال أكثر من 30 مليون شخصا من الفقر خلال 8 سنوات، كما انخفضت نسبة الفقر المدقع من 12% إلى 4.8%، إضافة إلى الحدّ من سوء التغذية بنسبة 25%. 

كما اشتمل على برنامج "مساعدة الفلاح البرازيلي" والذي استهدف إعادة توزيع الأراضي في إطار الإصلاح الزراعي، ودعم ملايين البرازيليّين في الخروج من دائرة الفقر، وهناك أيضا برنامج "Pro Uni" والذي قدم دعماً لطلاّب العائلات الفقيرة، كما وفر 14 مليون وظيفة، وارتفعت القيمة الحقيقية للحدّ الأدنى للأجور بنسبة 53.6%. أما مشروع التمويل الأصغر البرازيلي أو "الرفيق الدائن"، فقدم التمويل للمشروعات الصغيرة، واستفاد منه الملايين. 

وكان “دا سيلفا” قد أعلن عن برنامج للتقشف في بداية حكمه وطلب دعم الطبقات الفقيرة له والصبر على هذه السياسات، وقد أدت هذه السياسات إلى خفض عجز الموازنة وارتفاع التصنيف الائتماني للبلاد، فزادت الثقة في الاقتصاد البرازيلي وانهالت الاستثمارات والتي وصلت إلى 200 مليار دولار استثمارات مباشرة خلال الفترة من 2004 إلى 2011، مما أدى إلى رفع الطاقة الانتاجية للبلاد، ومن ثم توفير فرص العمل وحل مشكلة الفقر. 

اهتمت كذلك البرازيل بالتصنيع سواء الصناعات البسيطة أو المتقدمة، مع التوسع في الزراعة والاكتشافات البترولية. واتبعت البرازيل خطة لتنشيط قطاع السياحة فابتكرت سياحة المهرجانات معتمدة على تراثها الشعبي ونجحت في الترويج لهذا النوع من السياحة. 

وعلى المستوى الخارجي اتبع “دا سيلفا” سياسة انفتاحية، خاصة على البلدان النامية ومن بينها العالم العربي، فكان أول رئيس برازيلي يزور مصر وسوريا ولبنان، إضافة إلى توجهه الإفريقي. كما اتجه نحو التكتلات الاقتصادية كمنظمة الميروكسور التي تعد بمثابة سوق مشتركة بين كل من البرازيل والأرجنتين وباراجواى وأوروجواى وعضوية غير كاملة لفنزويلا وبوليفيا، وكذلك تجمع البريكس للاقتصادات الناشئة، كما أصبح لها دور بارز في إطار مجموعة العشرين G20. 

قائد منفتح وشعب واع 

ربما لا يعرف الكثيرون عن "دا سيلفا" أنه ولد لأسرة فقيرة تتكون من 8 أطفال تركهم والدهم لأمهم الأمية، وظل يتنقل بين المهن الوضيعة من ماسح للأحذية إلى خراط وميكانيكي وصبي في محطة بنزين، وفقد أحد أصابعه وهو في التاسعة عشر أثناء عمله في مصنع لقطع غيار السيارات. 

ورغم انتمائه للطبقة الفقيرة فقد تمتع بكرامة واحترام فائق للذات جعله يسعى لبناء دولة حرة ذات مكانة وكرامة، انعكست على رغبته في أن تكون لكل الدول النامية كرامة، فيقول: :"نحن نقرّر مصير علاقاتنا ونغيّر بشكل سريع الجغرافيا التجارية للعالم والجغرافيا السياسية للعالم، أي إننا في الجنوب نتعلّم بأننا شعوب ذات سيادة وأن علينا أن نقرّر مصير علاقاتنا السياسية والثقافية". 

وخلال فترة رئاسته الأولى قام بتحويل قرض إئتماني بقيمة112.1 مليون دولار من البنك الوطني للتنمية الاقتصادية لأكبر جمعية تعاونية تضم رفاقه قبل أن يصبح رئيساً للبرازيل، من جامعي القمامة وتدويرها في ساو باولو، مؤكدا بذلك وفاءه لأبناء طبقته ورغبته في إنصافهم. 

ومع ذلك فإن شخصية "دا سليفا" لم تكن تستطع وحدها تحقيق هذا النجاح لولا الإرادة الشعبية والوعي الجماهيري الذي جعل أبناء الشعب بجميع طبقاته يتحملون أعباء سياسات التقشف بلا ضجر ولا تذمر حتى استعاد الاقتصاد البرازيلي عافيته. 


بالأرقام ... لماذا فشلت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح خلال نصف قرن؟ وهل اقتربنا من تحقيق الحلم؟



أمل خيري 
جريدة الشعب

القمح ليس مجرد غذاء للمصريين، بل ظل على مدى عقود سلاحا استراتيجيا واستخدم كورقة سياسية للضغط على الحكومات المتعاقبة، وبعد أن كانت مصر تحقق الاكتفاء الذاتي من القمح أصبحت أكبر دولة مستوردة على مستوى العالم. فهل تعرضت مصر لمؤامرة لمنع تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟ وما حقيقة الدور الأمريكي في هذه المؤامرة؟ وهل يمكن استعادة تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟ 

قبل ثورة يوليو 1952 لم تكن مصر تعاني من فجوة قمح، فقد كان إنتاجها يعادل استهلاكها، كما كان المصريون يعتمدون على الذرة في إنتاج الخبز أكثر من اعتمادهم على القمح، لذا كان سعر إردب القمح 4 جنيهات مقابل 3 جنيهات لإردب الذرة. 

بعد ثورة يوليو اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارا ترتب عليه تحويل النمط الغذائي للمصريين من الذرة إلى القمح؛ حيث كان القرار بتخفيض سعر القمح، ومن هنا بدأت الفجوة تظهر بين الانتاج والاستهلاك؛ ففي عام 1955 استوردت مصر مليون طن من القمح، ومن يومها ظلت الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج تبعدنا كثيرا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي. 

ويوضح الرسم البياني تطور نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح عبر أكثر من 50 عاما منذ عام 1960، حيث بلغت النسبة وقتها 60%، ثم ظلت تتناقص لتصل لأدناها عام 1984 بنسبة 22% فقط، ثم عادوت الزيادة وظلت تتأرجح ارتفاعا وانخفاضا حتى وصلت إلى نسبة 46% عام 2012، وهناك توقعات من الحكومة بأن تصل نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح خلال العام الحالي إلى 67%. 

وعلى الرغم من أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح أمرا لم يكن صعب المنال خاصة في ظل وجود منطقة الساحل الشمالي التي كان يمكنها أن تلبي حاجة الدولة من القمح اعتمادا على مياه الأمطار فقط، إلا أن تحقيق الاكتفاء مسألة مرتبطة في الأساس بالإرادة السياسية التي كانت تخشى من الضغوط الأمريكية، ويعزز ذلك ما قاله الرئيس السوداني عمر البشير صراحة عندما نقل عن الرئيس المخلوع قوله أنه "يخشي أن تغضب أمريكا منه لو دخل في اتفاق مع السودان للاكتفاء الذاتي من القمح الذي تعتبره واشنطن سلعة إستراتيجية تضغط بها على الدول العربية". 

ولم تتوان أمريكا في استخدام هذا السلاح مثلما حدث عندما قررت مصر بناء السد العالي، بل وكانت اتفاقيات المنح والقروض بين مصر وأمريكا دائما ما تنص على شرط ألا تستخدم أموال المنح في كل ما من شأنه تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، بل إن المعونة الاقتصادية الأمريكية والتي لا تتعدى 350 مليون جنيه سنوياً تخصص كلها لشراء القمح الأمريكي. 

إلا أن المفارقة أن المسئولين المصريين أنفسهم عبر عقود طويلة ظلوا يروجون لفكرة أن استيراد القمح أفضل من زراعته بحجة ارتفاع تكلفة القمح المحلي عن المستورد، وفي أوقات عدة رفضت الحكومة استلام القمح من الفلاحين، أو تقوم بشرائه بأسعار منخفضة مما جعل الفلاح يعرض عن زراعة القمح ويتجه لمحاصيل أخرى كالبرسيم، ناهيك طبعا عن أباطرة ومافيا مستوردي القمح الذين ظلوا المتحكمين في الواردات. 

والآن وبعد توافر الإرادة السياسية أعلنت الحكومة لأول مرة عن برنامجها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؛ حيث تدور التوقعات حول الإنتاج هذا العام ما بين 8.5 و9.5 مليون طن لتتحقق نسبة اكتفاء قدرها 67% حسب المتوقع، مما يتطلب توسعا رأسيا  (بزيادة إنتاجية الفدان)، وآخر أفقيا(بزيادة المساحة المزروعة). 

من الناحية الواقعية لا يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح هذا العام ولا يتوقع أيضا خلال العام القادم، إلا إننا بدأنا على الأقل خطوة نحو انتزاع إرادتنا وكسر الاحتكار الأمريكي، ويعزز ذلك تصريح وزير التموين بأن "مصر لن تستورد قمحا إلا في الوقت الذي تريد وبالسعر الذي تريد ومن البلد التي تريد".